محمد بن أحمد الفرغاني

30

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

على أثري من كان يؤثر قصده ، كمثلي ، فليركب له صدق عزمة الضمير في قصده يعود إلى الباب المذكور في البيت السابق . واللام في له بمعنى إلى المتعلقة بقوله : فليركب ، ليتضمن معنى السير في الركوب ، والضمير فيه له أيضا راجع إلى الباب المذكور ، وكاف كمثلي ككاف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] . تقدير البيت : من كان يختار قصد ذلك الباب كمثلي وقصده إليه ، فليركب مركب صدق عزمة صحيحة سائرا إلى ذلك الباب بلا تطلّع إلى غيره ووقوف دونه . وكم لجّة قد خضت قبل ولوجه فقير الغنى ما بلّ منها بنغبة اللجّة : معظم البحر ومحل كثرة تردّد أمواجه ، والنغبة : الجرعة ، ويقال منه : نغيت إذا جرعت ، والضمير في ولوجه راجع إلى الباب المذكور ، وإنما أراد باللّجج التي خاضها قبل ولوجه هذا الباب لجج توحيد الاسم الظاهر والاسم الباطن ، وما يشتمل عليه من الأسماء السلبية والثبوتية التي لم يصل إلى جمع كل واحد من هذين الاسمين الجامعين إلّا بعد التحقّق بالتوحيد من حيث كل واحد من كلّيات تلك الأسماء ، ولن يلج هذا الباب إلّا بعد التحقّق بتوحيدهما أصلا ، ويحتمل أنه أراد بفقر الغنى كل واحد من المقيّدين بمقامات الطريق مثل الزهد والتوكّل ونحوهما معتقدين أنهم لا يصلون إلى شيء من مراتب الوصل والاتّحاد إلّا بالتحقق بهذه المقامات والأعمال والأقوال والأحوال ، فيعدّون نفوسهم محتاجين إلى معنى الغنى والثروة بهذه الأحوال والأقوال والأعمال غافلين عن تسبيح المقرّبين في مواظبتهم على ذكر سبحان من لا يصل إليه إلّا به ، وذاهلين عن أصل لا يدرك الشيء بغيره ؛ فلا جرم كل واحد منهم هو فقير الغنى لم يصل إليه من معظم هذه اللّجج العظيمة قطّ بلة واحدة ، ولم يذق منها قطرة أصلا لما ذكرنا من حكم التسبيح والأصل المذكور ، فإن هذه الأحوال والأعمال كلّها آثار وأغيار وبالأثر والغير لا يوصل إلى العين بموجب لا يدرك الشيء بغيره ، ويحتمل أن يريد بفقير الغنى صاحب السير المحبي المحتاج إلى غنى التقرّب بالنوافل في سيره إلى أن يظهر أثر الجدّ به بموجب « ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه » « 1 » ،

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .